13 أغسطس 2017

الكوفية (الغترة) والعقال: مقال بكر في موضوع قديم جديد - لـ أنستاس ماري الكرملي

       فيما يلي مقال للأب أنستاس ماري الكرملي، كان قد نشره سنة ١٣٦٠هـ/١٩٤١م في مجلة المقتطف، الجزء الثالث من المجلد الثامن والتسعين.
     وقد نقلته هنا دون حذف أو إضافة في النص. والذي أضفته فقط هو الصور التي تحدّث عنها ولم تُدرج في المقال الأصل. وآمل أن يكون في هذا فائدة. وفيما يلي نص المقال:

الكوفية والعقال: مقال بكر في موضوع قديم جديد

تعريف الكوفية والعقال:


جاءَ في معلمة الإسلام ما هذا نقلُهُ إلى لغتنا في تعريف الكوفية والعقال: «الكوفية ( وفي لغة سورية الكفيَّة، على ما في معجم الأب كوش اليسوعي ص ٥٧٧- وبُرْكْهارت في كتابه تعليقات على البدو ص٢٧، وج. فُسكه في كتابه رحلة في الشرق ص١٨٥) كلمة عربية، مقتبسة من اللغات اللاتينية الحديثة [كذا. وهم ظاهر كما ستراه في موطنه عند كلامنا على وجود الكوفية عند العرب في قديم الزمن] (فهي في الإيطالية Cuffia والأسبانية Cofia، والبرتوغالية Coifa والفرنسية Coiffe أو Coëffe) شُسْتَقةَ من حرير يتخذها بدو صحراء الشام عَمرةً لهم، أولئكم البدو الممتدون إلى أرجاء مكة، وتثبَّت حول الرأس بحبلٍ أو بريم من الوبر مصبوغ بأسود، ويوثق من فُسْحةٍ إلى فسحةٍ بضبَّات زاهية الألوان ويسمى هذا الحبلُ عَقَالًا (بالفتح، وباللغة الفصحى عِقالًا بالكسر). وهذه الشُسْتقة كسفةٌ مربعة، صفراء اللون أو صفراؤه وحضراؤه، توضع على الرأس، بحيث تقع زاوية منها إلى الوراء، في حين أن الزاويتين الأخريين تقعان على مقدم الكتفين. وهذا يستلزم أن تطوى الكسفة طيين قبل أن توضع على الرأس، بحيث يتقوم منها زاوية، وهذا ما يسمَّى طرفًا حادًّا في صناعة القصارين ويستطيع لابسها بعد ذلك أن يجمع الطرفين الواقعين على الكتفين على وجهه ليدفع عنهُ أشعة الشمس أو حرّ السموم أو المطر أو ليخفي ملامحهُ، إلَّمْ يحب أن يبين نفسهُ. وتتدلى خيوط اللُحمة كل التدلي حتى تتجاوز طرف الكسفة المنسوجة، وتفتل فتلًا كالمرير فتكون لهُ تطاريف طويلة. وكانت هذه العَمرة معروفة عند السلاطين المماليك في مصر.

الكوفية والعقال (وهما:) الصِماد والعِصَابة:

١- تصدير

بين الأدباء المعاصرين، والمؤرخين، والباحثين، مطارحات ومطالعات، ومجادلات لا تحصى تتعلق بالكوفية والعقال، ووجودهما عند العرب في سابق العهد. وقد ذهب أغلب هؤلاء الأفاضل إلى أن وجودهما لا يتجاوز ثلاثة قرون في أبعد تقدير، وألفى بعضهم هذه المدة طويلة، فقدرها بمائتي سنة في الأكثر. وجرى حديث طويل بيني وبين أحمد زكي باشا رحمه الله، في حزيران (يونيو) سنة ١٩٢١م، فكان يؤكد أن ثلثمائة سنة هي أبعد مدة يمكن أن تقدر بوجودهما عند الأعراب.

ثم استفاض حديث آخر بيني وبين الشيخ أحمد الإسكندري رحمه الله، وطائفة من أصفياء مجمه فؤاد الأول للغة العربية كعلي بك الجارم وأحمد بك العوامري وغيرهما - ومحصل كلامهم لا يخرج عن هذه الفكرة. ومن العبث ذكر تفاصيل هذا الحديث الذي جرى في سنة ١٩٣٧م.

وأما رأيي فقد كان دائمًا مخالفًا لآراء هؤلاء المحققين والأدباء المؤرخين، إذ كنت أقول بأن الكوفية والعقال، هما من ملابس الرأس عند العرب، وكانا معروفين عندهم منذ أقدم الأزمنة، أي قبل الإسلام وبعده، إلى عهدنا هذا. وليس الاسم هو المهم في هذا الموضوع، إنما المهم الشيء نفسه ووجوده بين جمهور الناس، إذ الأسماء تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والقبائل، كما هو الأمر في أسامي أشياء كثيرة كالأسد، والجمل، والناقة، والخمر، والسيف، إلى ما لا يعد ولا يحد من الأعيان والجواهر. ومثل هذا الأمر يجري في جميع لغات الدنيا.

٢- تعريف الكوفية والعقال

(الكوفية قبل الإسلام)

«كان العقال معروفًا في فلسطين بنحو تسعمائة سنة قبل المسيح» -شهادة التوراة - 

لا شبهة في أن العقال كان معروفًا في فلسطين قبل المسيح بنحو تسعمائة سنة. والشاهد على ذلك ما ورد في سفر الملوك الثالث في الفصل ٢٠ والآية ٢٧ وهذا نص القصة التي تروي سبب وضع العُقُل على الرؤوس كما جاء في نسخة التوراة المطبوعة في بيروت بالمطبعة الكاثوليكية:
«فهرب الآراميون، واتبعهم إسرائيل، فأفلت بنهدد، ملك آرام، على فرس مع الفرسان، وخرج ملك إسرائيل، فضرب الخيل والمراكب، وضرب آرام ضربة عظيمة. فتقدم النبي إلى ملك إسرائيل، وقال له: امضِ، وتشدد، وتأمل، وانظر ما نصنع، فإنه عند مدار السنة، يصعد عليك ملك آرام. وقال لملك آرام عبيدُه: إن آلهتهم، آلهة الجبال، ولذلك قووا علينا، ولكن إذا حاربناهم في السهل، فإنا نقوى عليهم وأنت فافعل هذا الأمر: اعزل الملوك كلًا من مكانه، واجعل في أمكنتهم قوادًا، وأحص لك جيشًا كالجيش الذي سقط لك، وخيلًا كالخيل، ومراكب كالمراكب، فنقاتلهم في السهل، ونقوى عليهم فسمع منهم وفعل كذلك. فلما كان مدار السنة، أحصى بنهدد الآراميين، وصعد إلى أفيق لمحاربة إسرائيل. وأحصى بنو إسرائيل، وتزودوا، وساروا للقائهم، ونزل بنو إسرائيل مقابلهم كأنهم قطيعان صغيران من المعز، والآراميون قد ملأُوا الأرض. فتقدم رجل الله وكلم ملك إسرائيل. وقال: هكذا قال الرب الأجل إن الآراميين قالوا: إن الرب هو إله الجبال، لا إله الأودية، فإني دافع إلى يدك كل هذا الجمهور العظيم، لتعلموا أني أنا الرب. فنزل هؤلاء تجاه هؤلاء سبعة أيام. ولما كان اليوم السابع، التحمت الحرب، فقتل بنو إسرائيل من الآراميين مئة ألف راجل في يوم واحد. وهرب الباقون إلى أفيق إلى المدينة، فسقط السور على السبعة والعشرين ألف رجل الذين بقوا، وهرب بنهدد، ودخل المدينة إلى مخدع ضمن مخدع. فقال له عبيده: إنا سمعنا أن ملوك آل إسرائيل هم ملوك رحمة. فلنشدد الآن مسوحًا على متوننا ونجعل (( حبالًا )) على رؤوسنا ونخرج إلى ملك إسرائيل لعله يستبقي نفسك. فشدوا مسوحًا على متونهم، (( وحبالًا )) على رؤوسهم. وجاؤوا ملك إسرائيل وقالوا: إن عبدك بنهدد يقول: أتوسل أن تستبقي نفسي. فقال: أوَ حَيّ هو بعد، إنما هو أخي. فاستبشر القوم وبادروا، فتلقوا الكلمة من فيه، وقالوا: أخوك بنهدد. فقال: هلم فخذوه. فخرج إليه بنهدد، فأصعده على المركبة. فقال له: المدن التي أخذها أبي من أبيك أردها عليك، ونجعل لك أسواقًا في دمشق، كما فعل أبي في السامرة. فقال: وأنا أطلقك بهذا العهد، وقطع له عهدًا وأطلقه» اهـ المطلوب من إيراده.
فهذا نص صريح، ذكر فيهِ لأول مرة في التاريخ استعمال (الحبال) أو العقل مشدودة على الرؤوس. وكان ذلك في عهد بنهدد، الذي ملك على الإرميين من سنة ٩١٧ إلى سنة ٨٨٥ قبل المسيح.

ولا جرم أن المراد (بالحبال) هنا، ما سمّاها العرب بعد ذلك (بالعُقُل) (جمع عِقال) أو بأسماء أخر، كما ستقف عليها.

زد على ذلك أن الفرنسيين إذا أرادوا اليوم الدلالة على (العِقال) بلسانهم قالوا Tresse أي بريم أو جديل أو ضَفْر أو ضفيرة أو Corde أي حَبْل، أو مرير أو فتيل.

ومعلوم أيضًا، أن الأرميين أو الأرَاميين كانوا في أيام بَنْهَدَد، قومًا رُحَّلًا كأهل بادية العرب، فكانت عاداتهم، وأخلاقهم، وآدابهم، كعادات الأعراب، وأخلاقهم، وآدابهم. وكذا قُل على أكلهم، وشريهم، ولبسهم، وحلهم، وترحالهم، وإقامتهم، فهذا كلهُ كان متشابهًا بين القومين، لأن الطبيعة كانت تدفعهم إلى اتخاذ تلك الأمور جميعها، بصورةٍ واحدة.

شهادة التصاوير القديمة

وقد ظهر في الآثار التي وجدت في ديارنا العراقية تصاوير وتماثيل منها بالعقال وحدهُ ومنها بالصِماد أو الكوفية وحدها، ومنها بالكوفية المثبتة على الرأس بالعقال. وعلى من يشكّ في صحة كلامنا، أن يزور دار هذه التحف أو ما يشابهها في دور التحف الغربية كباريس، ولندن وبرلين وغيرها، أو أن يراجع بعض الكُتُب المصوَّرة التاريخية الجامعة لمثل هذه النفائس الأثرية التي تبحث عن العراق، أو الشام، أو فلسطين، ففيها الغُنْية عما يودّ أن يشاهدهُ في البلاد نفسها، إذ يرى بعيني رأسهِ تماثيل من عهد حَمُّربّ، أي منذ زهاء خمسة آلاف سنة وعلى رؤوسها العُقُل والكوفيات أو العصائب والصُّمُد، أو أحد الاثنين دون الآخر.

وكنتُ كتبتُ إلى حضرة الأستاذ الجليل والأمير العلَّامة الخطير والبحَّاثة الشهير شكيب أرسلان، أسألهُ عما يعرف من أمر الكوفية والعقال وعن وقوفهِ في تصانيف المؤرخين والأدباء عليهما فكتب إليَّ من صوفر (لبنان) في ٢٩ تشرين الأول (أكتوبر) من سنة ١٩٣٧ ما هذا نصّهُ:

« ولقد كنت كتبت إليَّ سائلًا عما إذا كان عندي معلومات عن لبس العقال، ومتى بدأ، وأين بدأ. وكنت أنقِّب عن هذه المسألة الجليلة، وأسأل أهل الذكر، وما حظيت عنها بطائل. غير أنه أخبرني أناس زاروا (تدمر)، فوجدوا فيها نقوشًا وتماثيل من جملتها رجال على رؤوسهم الكوفيات والعقل، فهذه التماثيل هي من قبل الإسلام بدون شك، ومنها نعلم أن العقال في جزيرة العرب وما جاورها زي قديم ربما يرجع إلى آلاف من السنين » انتهى.

ونحن نؤيد هذه الأقوال بما يُرى من الصور في التاريخ القديم للشرق إلى الحروب المازية للعلَّامة فرنسوي لنورمان. ففي المجلد ١: ٣٠٧ صورة رجلين تورانيين من أهل ماذِيَة وقد لفَّ الواحد رأسه بعمامة، وأثبتها عليه بعصابة عريضة. أما الثاني فقد لبس كوفية، وأثبتها بعصابة أيضًا لا بعِقال. وقال المؤلف عليهما، إنهما رأسا أسيرين من حروب ماذية وهما مصوّران محفورين على قصر سنحاريب في قُويُنجُوق، وكان من الأسرى الذين يشتغلون أشغالًا شاقَّة في بنايات الملك. ومن المعلوم أن الحروب الماذية وقعت في المائة الخامسة قبل الميلاد. 


وفي ص١٥٣ من المجلد الرابع، صورة رجال من الآشوريين يقدمون إلى ملك آشور جزية خيلًا، ورؤوس أولئك الرجال مشدودة بعصابةٍ وهي من النقوش المحفورة التي كانت في بلاط الملك سرجون. 

وفي ص ٣٠٥ من من ذلك المجلد عينه صورة مقسومة قسمين في القسم الأعلى منها رؤوس رجال مُغطَّاة بقلانس مستطيلة أو بخوذٍ مرتفعة لأنهم من الجند. ورؤوس رجال القسم الأسفل منها مغطاة بكوفيات وقد أثبتت بعصائب لأنهم من الرعية أو من السوقة وقد كتب تحتها: «آشوريون يحملون الأسلاب وهم يسوقون أمامهم الأسرى والصورة من كوبنجوق (بأطراف الموصل) وهي اليوم في دار التحف في لندن». 



وفي ص ٣٢٣ من التاريخ المذكور صورة تمثل حربًا في بلاد جبلية كثيرة الغابات وهي من بلدة نمرود (في أنحاء الموصل) والمصوَّرون فيها طائفتان: طائفة الجند وطائفة السوقة. فملبوس رأس الجندي الخوذة وملبوس رأس السوقة العصابة وحدها.

وفي ص ٤٢٣ منهُ صورة مغنين ومن الضاربين على آلات اللهو وهم من العبيد الأسرى. ورؤوس جميعهم معصوبة عصبًا.




وفي ص ٧٨ من المجلد ٦ صورتان تمثل إحداهما صورة جندي بيده حمَل وعلى جنبهِ الأيمن سكين كبير. وتقابله صورة امرأة معتمَّة بالكوفية. وقد وجدت هاتان الصورتان في إصطخر من بلاد فارس. منهما صورتا مذيين من أهل فارس.




وفي ص ١٥٠ من المجلد المذكور ترى صورة رجلين يضعان أحمالًا على بعير وعلى رأس أحدهما كوفية مربوطة بعصابة وعلى رأس الثاني قلنسوة بطرفين ينحدران على الأذنين. 


وفي ص ١٥٥ منهُ صورة تمثل مهاجرين من أهل آسيا، يهبطون وادي النيل وقد أصيبت هذه الصورة منقوشة على قبر مصري في بني حسن. 

وفي ص ٤٣٢ منه صورة نصحب حميري يمثل عربًا وقد لفوا رؤوسهم بالكوفيات،  وأمرّوها تحت أحناكهم وهذا ما يُسمَّى عند السلف بالتحنُّك.


         وإن كان بين يديك ( التاريخ القديم لشعوب الشرق المؤتمّ تأليف ج. ماسبرو) فافتح مجلد السلطنات ٣: ٨٧ تجد صورة قسم من جزية إسرائيل للملك سَلمان أسر ( أو كما يسميهِ العرب سلمان الأعسر) يحملها رجال قد لفوا رؤوسهم بالكوفيات وقد عقدوا أطرافها وراء رؤوسهم تلك، ولم يشدوا عليها عقلًا.




وفي المجلد ٢: ١٥١ تجد صورة رجال سوريين وقد لفُّوا على رؤوسهم عقلًا عن  صورة نُقِلَت عن قبر كان صاحبهُ يطوي بِساط أيامه في نحو أواخر الدولة الثامنة عشرة من دول مصر المنقرضة (أي في نحو ألفي سنة قبل الميلاد).


فهذه بعض الصور التي ظفرنا بها في بعض الكتب التي ترى في خزانتنا، وهناك مصنفات لا تُحصى مزيّنة بأحسن الصور وفيها ما يُثبت كل ما نقلناه أو أثبتناه وكلهُ سابق للإسلام.

٣- الكوفية بعد الإسلام


أما بعد الإسلام فلا جرم أن ( الكوفية ) كانت موجودة بغير هذا الاسم، وكذلك ( العقال ) فإن هذا الاسم مُحدث وقد أُخذ من المشابهة التي ترى بينهُ وبين عقال البعير.

(أ) الكوفية في عهد العباسيين


وأقدم نصّ عثرنا عليهِ يذكر ( الكوفية ) هو ما جاء في كتاب «رسوم دار الخلافة» لأبي الحسين هلال بن المحسن بن إبراهيم الصابئ (المتوفى سنة ٤٤٨ للهجرة في ص ١٣١ من النسخة الخطية الأصلية ) وهذا هو نصُّها:

«لما خلع الطائع، رحمة الله عليه، على عضد الدولة ولقبه تاج الملة، حمل إليه في اليوم الثالث قلنسوة وشي مذهب، مجالسية، وفرجية وشي، وكوفية مثقلة » وذلك في نحو سنة ٣٥٥هـ (= ٩٦٥م).
إذن قد مضى  على هذه التسمية نحو من ألف سنة ومن البديهي أن الكلمة لم توضع في تلك السنة، بل لا بد من أنهُ مضى عليها ما يُقارب خمسين سنة حتى تشيع بين الناس وربما أكثر من ذلك. وجاء ذكر الكوفية أيضًا في عيون الأنباء (٢: ١٧٧) قال: «وهو شاب [والكلام على الحكيم موفق الدين يعقوب بن سقلاب النصراني، وكان عائشًا في سنة ٥٨٥ للهجرة = ١١٨٩م] على رأسهِ كوفية وتخفيفة صغيرة» ا هـ.

فهذان نصَّان إسلاميان قديمان يذكران الكوفية ذكرًا واضحًا لا شبهة فيهِ. ومعلوم أن الكوفية تحتاج إلى عِقال أو نحوه لتثبت على الرأس، ولذلك كان لا بد من العقال كلما ذكرت الكوفية وإن لم يُذكر بواضح العبارة.

(اسم الكوفية قبل الإسلام: الصماد، واسم العقال: العصابة) -ولهما مرادفات-


قال في العين: «صمَِّد رأسهُ تصميدًا: إذا لفَّ رأسهُ بخرقة، أو ثوب، أو منديل، ما خلا العمامة وهي الصماد». ويُقال في كل من الفعل والاسم بالضاد أيضًا أي ضمَّد تضميدًا، والضماد والصماد في اللغة الأرمية (صمادا) والمعنى واحد. وتُلفظ بإسكان الصاد، وبألف في الآخر على ما هو شائع في اللغة المذكورة. وأما أن العقال كان معروفًا عند قدماء العرب بالعصابة فمما لا شك فيهِ، لأسباب منها: أن صاحب التاج يقول في مادة ( ع ص ب):

«والعصابة، بالكسر أيضًا: ما عصب بهِ كالعصاب، بالكسر أيضًا، والعصب قاله ابن منظور وعصبهُ تعصيبًا: شدَّهُ. واسم ما شدّ بهِ العصابة، وفي الأساس؛ ويقال شدَّ رأسهُ بعصابة، وغيرهُ: بعصاب.» انتهى.

ولما كان بعضهم يشدُّ رأسهُ، أو يغطيه بالتاج أو العمامة، توسعوا في معناه الأول الموضوع له، وانتقلوا بهِ إلى معنى التاج والعمامة. ومثل هذا التوسع يضر بمعرفة المعنى الأول ويجعل الكلم تقع على طائفة من المعاني، فيحار القارئ في معرفة المعنى الحقيقي في العبارة الوارد فيها، حتى أنهُ ليتعذَّر على السامع معرفة الشيء المدلول عليهِ بذلك الحرف، أهو المدلول الأول، أو المتوسع فيهِ، أو المدلول الثالث أو الرابع إذ المعاني قد تتفرع فروعًا جمة فالغربيون مثلًا يميزون بين العصابة وبين التاج وبين العمامة فلكلٍّ من هذه الألفاظ معنى غير معنى أخيه. لكن هكذا جرى الناطقون بالضاد أنهم يتوسعون في معاني جميع حروفهم، أو يكاد. فقد قال الشارح: «والعصابة أيضًا: التاج والعمامة. والعمائم يقال لها العصائب. قال الفرزدق:

                      وركبٍ كأنَّ الريح تطلب منهم
                                        لها سلبًا من جِذبها بالعصائب

       أي تنقض لي عمائمهم من شدَّتها، فكأنها تسلبهم إياها. ونقل شيخنا عن عناية الشهاب في البقرة: إن العصابة ما يستر به الرأس، ويدار عليه قليلًا، فإن زاد فعمامة. ففرَّق بين العصابة والعمامة. وظاهر [كلام] المصنف: أنها تطلق على ما ذكره وعلى العمامة أيضًا، كأنه مشترك وهو الذي صرح به في النهاية». انتهى كلام صاحب التاج.

قلنا: والأحسن الرجوع إلى المعنى الأول، وهو أيضًا معنى اللفظة الواردة في بيت الفرزدق.

ومن أسماء الكوفية أيضًا (العمامة). فقد جاء في تاج العروس في مادة (ل ث م): «قال أبو زيد: تميم تقول: تلثمت، وغيرهم: تلفمت. وقيل اللثام: ردّ المرأة قناعها على أنفها، ورد الرجل عمامته على أنفه». فلو لم ترد العمامة بمعنى الكوفية لما ساغ له هذا الكلام.

ومن الأدلة المبرهنة على أن العصابة هي العقال اشتقاق الكلمة نفسها فإنها تدل دلالة الكلمة الأرمية نفسها، وتلفظ عْصَوْتا وبعضهم عْصَبْتَا بمعنى العصابة أو العقال. والمادة اللغوية واحدة والاشتقاق واحد.

وزد على هذين الدليلين قدم صورة العقال على التماثيل التي ذكرناها، فإن العقال مصور فيها تصويرًا جليًّا لا شبهة فيه ولا شك، ملفوفًا لفًّا محكمًا بعد أن أُتقِنَ بَرْمُهُ. 

وهناك دليل رابع وهو أن عرب شرقي الأردن يسمونه العقالة إلى يومنا هذا (العصابة)، وهو أبين دليل على إثبات ما نحن في صدده، فقد كتب إليَّ الأستاذ روكس العزيزي في أول كانون الأول (ديسمبر) من سنة ١٩٤٠ ما هذا نصه بحروفه: «ويلبسون (أي العرب) على رؤوسهم المرير [وزان كبير] وهو لباس قديم عرفه سكان البادية، ويسميه أهل السلط وعجلون وفلسطين (العقال). ويسمي البدو العقال (عصابة) أيضًا» انتهى.

ودليلنا الخامس: أن وجود العصابة (مع اختلاف أسمائها) في جميع البلاد التي فيها بادية على رؤوس من يشدها عليها دليل بيِّن على أن هذا الأمر لم يحدث في هذه الأيام الأخيرة، بل هو قديم أحدثه هواء البلاد وتقلّبه تقلبات أجبرتهم على أن يكون تلك العمرة مما يدفع عن أصحابها شدة الحر في الصيف، وضرر البرد في الشتاء ويمنع الغبار من التسلل في منافذ الرأس كالعين والأذن والأنف والفم ويدفع المطر عن الوجه.

فإذا اجتمعت أدلة اللغة، والتاريخ والنقل عن السَّلف، والعادة الجارية في جميع الديار التي فيها بدو، فكيف لا تكون الحقيقة على ما تسير في وجهها في هذا العصر؟

ويزاد على كل ما تقدم أن من أسماء العقال أو العصابة مرادفاته في بعض الربوع الناطقة بالضاد. من ذلك (المرير) في لسان أهل شرقي الأردن. والمرير في اللغة الفصحى ما لطف من الحبال وطال واشتد فتله وهي المرائر. قاله ابن السكيت. ومثله المريرة بهاء في الآخر. ويسمي العمانيون -وديارهم على خليج فارس- الكوفية: (المِصرَّ) والعقال: (الخِزام) ويتخذونه دقيقًا كالمرير. وذكر لنا أحد الحضارمة في سنة ١٨٩٧ واسمه محمد بن الرفاع الجندي أن أهل الربع الخالي -وهم بادية لم يختلطوا بالأجانب- يسمون العقال سِبًّا، بكسر السين وتشديد الباء، وربما سموا به الكوفية أيضًا. وفي تاج العروس: «السِبُّ بالكسر الحبل والخمار العمامة » انتهى. فلقد رأينا من أسمائه في التوراة (الحبل)، وعند أهل الحجاز والعراق وكثير من بلاد العرب (العقال) وعند أبناء شرقي الأردن (المرير)، وعند بدو شرقي الأردن والسلط وعجلون وفلسطين (العصابة)، و (السِبّ) عند أهل الربع الخالي، فلم تبقَ شبهة في أن هذه العصابة وجدت منذ أقدم الأزمنة في ديار الشرق الأدنى عند العرب الحقيقيين. 

(ب) الكوفية في صدر الإسلام


جاء في اللسان في مادة (ب ح ر): «وأما حديث عبد الله بن أُبيّ، فرواه الأزهري بسنده عن عروة: أن أسامة بن زيد أخبره: أن النبي ﷺ ركب حمارًا على إكافٍ، وتحته قطيفة، فركبه وأردف أسامة، وهو يعود سعد بن عبادة. وذلك قبل وقعة بدر. فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة، خمَّر عبد الله بن أُبيّ أنفهُ، ثم قال: لا تغبروا. ثم نزل النبي ﷺ، فوقف ودعاهم إلى الله وقرأ القرآن، فقال له عبد الله: أيها المرء إن كان ما تقوله حقًّ، فلا تُؤْذ«نا في مجلسنا، وارجع إلى رَحْلِك، فمن جاءك منا فَقُصَّ عليه. ثم ركب دابته حتى دخل على سعد بن عبادة. فقال له: أي سعد، ألم تسمع ما قال أبو حُباب؟ -قال: كذا- فقال سعد: اعفُ واصفح، فوالله، لقد أعطاك الله الذي أعطاك ولقد أصلح أهل هذه البُحَيْرَة [أي يثرب] على أن يتوّجوهُ، يعني يملكوه فيعصبوه بعصابة. فلما ردَّ الله ذلك بالحق الذي أعطاك، شرق لذلك فذلك فعل به ما رأيت فعفا عنه النبي ﷺ» ا هـ.

فقول الراوي «خَمَّر عبد الله بن أُبيّ أنفهُ» دليل على أنه كان على رأسه الصماد، حتى استطاع أن يخمر أنفه بطرفِه، على مألوف ما يفعل كل من يلبس الكوفية فإنه يخمر أنفه إذا قابله غبار أو عجاج. وفي قوله: «يملكوه فيعصبوه بالعصابة» دليل على أن العصابة أو العقال كان من ملابس كبار العرب، ثم امتدَّ استعماله إلى جميع أهل البادية لحاجتهم إليه.

ويزاد على ذلك: أن الرومان اتصلوا بالعرب من جهتين: من جهة الحجاز، فكان لهم هناك كورة عرفت بعربة الحجرة Arabia Petraea، ومن جهة العراق في أيام لوقس وپنپايوس أي قبل الميلاد بنحو سبعين سنة. فكان اتصالهم هذا بأبناء إسماعيل دافعًا إلى أن يأخذوا منهم بعض أمور خاصة بهم، فكان من جملتها الكوفية وسموها في لغتهم Cofea أو Cuphia وسماها الإيطاليون Cuffia أو Scuffia وقد وردت اللفظة اللاتينية في كلام الأسقف فرتناتس Fortunatus المتوفى سنة ٦٠٠ للمسيح، أي قبيل الهجرة باثنتين وعشرين سنة.

ووردت بعد ذلك مبنىً ومعنىً في كلام ألْكْوين Alcuin الإنكليزي، اللاهوتي الشهير، والشاعر الكبير، والعلّامة المنقطع النظير، المتوفى سنة ٨٠٤ للميلاد. وكان أحسن من يُتقن صنعها في عهد العباسيين أهل الكوفة، فاجتمع في اللفظ أمران: معنى التكوُّف وهو استدارتها على الرأس، وصُنعها في الكوفة، فشاعت حينئذٍ هذه الكلمة، وقتلت كل لفظة سواها.

ومن الغريب أننا قرأنا في كتاب الملابس لدوزي هذه العبارة التي ننقلها إلى لغتنا: 

«ولا أظن أن أحدًا يذهب إلى أن للكوفية أصلًا عربيًا. أما أنا فأذهب إلى أن الكوفية ليست إلا Cuffia (كفية) الإيطالية، و Cofia (كوفية) الأسبانية، و Coiffe [كواف] الفرنسية، و Coifa [كوافة] البرتغالية. وأذهب أيضًا إلى أن الشرقيين استعاروا هذه الكلمة من الإيطاليين، وكانوا في العصور الوسطى يتاجرون في موانئ مصر وسورية وينقلون الصليبيين» انتهى.

قلنا: ويردّ هذا الرأي أولًا: تصاوير الأقدميين على الحجارة المبثوثة في ديار الشرق إلى يومنا هذا، وذلك قبل وجود لغة الإيطاليين على الأرض. وثانيًا أن الكلمة الإيطالية مأخوذة من اللاتينية المولَّدة Cofea أو Cuphia وهذه لا تتصل بمادة أصيلة فيها، إنما هي لقيطة فيها، فهي من اللغة العربية، وقد اقتبسها الرومان منها حين كانوا متصلين بالعرب من جهة الحجاز ومن أنحاءِ الفرات، وكانت هذه العمرة شائعة يومئذٍ في جميع الديار العربية. ولهذه المادة في لغتنا معنى يؤيد اشتقاقها، وهو معنى التكوُّف أي الاستدارة لاشتمالها على الرأس، والرأس مستدير، ولإحاطتها به كل الإحاطة ومن كل جانب. قال السيد مرتضى: «والكوفية: ما يلبس في الرأس، سميت لاستدارتها».

عقال العربيات يُسمَّى النوفلية


جاء في تاج العروس: «النوفلية: شيء من صوف يكون في غلظٍ أقلَّ من الساعد، ثم يُحشى ويعطف ثم تختمر عليه نساء العرب. نقله الأزهري» ا هـ.

فيؤخذ من هذا الشرح أن النوفلية شيء يشبه عقال الرجال إلَّا أنه متين ومحشوٌّ صوفًا لكي لا يثقل على الرأس. وقد كنت كتبت في سنة ١٩٣٨ رسالة من القاهرة إلى الأستاذ الجليل عبد الله مخلص في القدس ليسأل الشيخ كاظم الدجيلي قنصل العراق هناك وهو من الواقفين أتمّ الوقوف على آداب وأخلاق الأعراب وأهل البادية عما يعرف عن العقال الذي تتخذه بدويات العراق، فأجابني الأستاذ المخلص بما يأتي:

« وقد زرته وحدثته بما أردت وسألته عن العقال الذي تلبسه نساء البدو في العراق، فذكر لي ما أدونه لكم باختصار: "نساء شمر، وعنزة، والضفير، وربما بعض نساء زوبع يشددن على رؤوسهن العقال، وطوله نحو ثلاثة أمتار، بحيث يلف على الرأس ثلاث أو أربع لفات، وفي طرفيه عثكولان يتدليان من الخلف، وفي وسط الرأس عقدة، أو ما يسمونه ضبة". وهو كما ترى من نوع العقال الذي يستعمله الرجال، إلا أن لفات أو طيات العقال الذي تستعمله نساء العراق أكثر. وعلى ذكر العقال، أقول لكم أن العرب في فلسطين مسلمهم ونصرانيهم قد لبسوا العقال، ونبذوا الطربوش، وتراني الآن أضع على رأسي كوفية بيضاء، وعقالا أسود من المرعزي كأعرابي من البادية».

وحضر الشيخ كاظم الدجيلي في بغداد وكنت أيضًا أنا فيها في نحو أواخر أيلول (سبتمبر) من سنة ١٩٣٨ فقال لي بحضور جميع الأدباء الذين كانوا مجتمعين في مجلسنا يومئذٍ، ما هذا روايته:

«العربيات اللواتي يتخذن ضربًا من العقال، أي النوفلية، هن عربيات الصائح، وعنزة، وشمر، والضفير، وقد قل الآن استعمالهن له، وبقي محصورًا في نساء الشيوخ، والوجيهات من سائر الأعرابيات» اهـ.

وكنت سألتُ مثل هذا السؤال الأستاذ الدكتور مصطفى جواد وهو في باريس، فكان جوابه ما أرويه بحروفه:

«إن الذي رأيتموه على رؤوس البدويات نوعان: نوع من جنس العقال الذي يتخذه الرجال، ونوع يُسمَّى جعجة أي كعكة، يتخذه النساء الربعيات، أي المعيديات، تهوينًا لثقل ما يحملن على رؤوسهن من قصاع اللبن والرائب. وكلاهما مألوف معروف. فأما العقال فعند أكثر البدويات الرواحل. وأما الكعكة فهي شيء اضطرت الحاجة إليه، فلا يدخل في أبواب العقال. فالعقال هو الرفيع. والجعجة ثخينة». اهـ .

وسألتُ الأستاذ عبد الله مخلص أن يبدي لي رأيه بخصوص عقال النساء فكتب إليَّ من القدس بتاريخ ٣١/ ٨/ ١٩٣٨ ما هذا نصه:

«أما لباس الرأس الذي يشبه العقال، وهو كما وصفتم من جهة شكله، وحشوه بمادة من المواد، فيُسمَّى هنا (في فلسطين) صمادة. وهو خاص بالنساء. إلا أن هذا اللباس لا يدار على الرأس كالعقال، بل يوضع فوقه، فيتدلى من الجانبين، حتى يصل إلى الأذنين. وله خيط يربط به من تحت الحنك يُسمّى (محنكة) أو (زناق) ويخاط على دائر الصمادة مسكوكات فضية، قديمة، مجوفة، حتى يركب بعضها بعضًا، فتتراص وتنسجم. و (الصمادة) هنا غير (الصماد) الوارد في كتب اللغة. وكذلك القول على (المحنكة) و (الزناق)» ا هـ كلامه.

فيؤخذ من هذا كله أن العقال، أو ضربًا منهُ، معروف إلى اليوم عند البدويات، على حدّ ما كان معروفًا في سابق العهد، إلا أنهُ آخذ بالزوال شيئًا بعد شيءٍ وفي جميع بلاد الشرق الأدنى التي فيها بادية. وقد ذكر بُرْكارْدْت أنَّ نساءَ أعراب الرولة يتعممنَ بعمائم من حرير أسود، طول الواحدة ذراعان مربعتان ويسمونها (شال خاص) وتعمل في دمشق، وكثيرًا ما تزين بخيوط من ذهب أو فضة» اهـ .

اختلاف أسماء الكوفية باختلاف البلاد والأزمان


مرَّ بنا أن الكوفية لم تكن دائمًا معروفة بهذا الاسم، فقد رأينا أنها سُمِّيت في سابق العهد بالصِماد والضماد، ثم انتقل إلى لفظ الكوفية في عهد العباسيين، ثم اختلفت أسماؤها باختلاف المادة المتخذة منها، أو باختلاف ألوانها. وقد يختلف أهل البلد الواحد في التلفظ بالكلمة الواحدة نفسها لأن الجميع لا يتفقون على النطق بالحروف على وجه واحد. وجمع الكوفية الكوافيّ.

والكوفيَّة يلفظها العراقيون الكفِّيَّة أو الچفِّيَّة، لأنهم يلفظون الكاف چافًا معقودة مثل ch في الإنكليزية Change ويكسرونها، ويليها فاء مشدَّدة مكسورة، ويعقبها ياء مشدَّدة مفتوحة، وفي الآخر هاء. ويجمعونها على چَفَافيّ، وزان: كراسيّ. وهم يريدون بها أيضًا معنى آخر، ولا سيما أهل المدن منهم، فإنهم يطلقونها على المنديل الذي يمخطون فيه، أي الشستقة، وعلى المَشُوش وهو ما يتمسح به من المناديل. وأهل نجد يسمون اليوم الكوفية الحمراء (مَحْرَمَة) وحركة الميم والراء بين الفتح والكسر. وإذا كانت بيضاء فيسمونها (غُترَة) بضم الغين، أو بحركة بين الكسر والفتح، وتكون من القطن. والعراقيون من أهل البادية يسمون الكوفية (الحلالية) بتحريك الحاءِ واللام وكسر اللام الثانية وتشديد الياء. وهذا إذا كانت من قطن. أما إذا كانت من قَزّ فيسمونها (قزية) ويلفظونها (جَزِّيَّة) بفتح الأول وتشديد الثاني المكسور يليها ياء مشدَّدة مفتوحة. والقزّ ضرب من الابريسم أو الحرير، إلّا أنهُ دون الحرير حُسنًا.
ومن أسماء الكوفية عند أهل نجد (الدَسمال) أو (الدَسمالة) بدال مفتوحة وبعضهم يكسرها. وهم يخصّون بذلك الكوفية الحمراء الخالية من كل نقشٍ بارز وهي غير الشماغ أو اليشماغ وغير الشال وغير الغُتْرَة وربما كان الدسمال مخططًا أحمر وأصفر، ويجمعونها على دَساميل.

والكلمة فارسية الأصل منحوتة من (دسْت) أي يد. و (مال) أي يُمسح أو يمشّ. والمعنى ما يمسح به اليد. لأن العرب لا يتخذون شستقة يمخطون بها، بل يمشون أيديهم ويمسحون وجوههم بطرف الكوفية أيًّا كانت.

(والشماغ) ككتاب أو (اليشماغ) بعضهم يجعل القاف في مكان الغين في اللفظين المذكورين ويجمعونها على يشاميغ، كلمة تركية هي في هذه اللغة ياشمق أو ياشماق. برقع خفيف تتبرقع به التركيات، ثم أُطلِق على سِتْر أو لثام أو نقاب أيًّا كان، لكن أهل نجد وبعض العراقيين يسمون به كوفية تتخذ من القطن وفيها نتوءات بخيوط حُمر أو زرق، ويكون اليشماغ مربّعًا، فيُطوى طيًّا مخالفًا بين أطرافه، فيصبح كالزاوية الكبيرة المستقيمة الزوايا أو الكُوس فتوضع على الرأس بتحكيم وسطها عليه ثم يربط عليها العقال.

أما إذا كانت الكوفية حمراء اللون متخذة من الصوف لا من القطن فيسمونها (الشَّال) من باب التوسُّع في معاني الألفاظ. ومعلوم أن الشال في الأصل: «هذا الرداء الذي يعمل بكشمير ولاهور ويُجلب به [كذا] إلى البلاد يقال أنه من وبر الجمل. سُمّي به لأنه يرفع على الأكتاف. إن كانت عربية والجمع شيلان وشالات» اهـ عن التاج.

قلنا: ليس الشال من كلام العرب، بل من لسان الفرس وهو عندهم من الثياب يتخذ من الصوف، خشن الصنع، يلبسهُ فقراؤه وبه سُمّي الثوب الذي يصنع في كشمير، ولاهور، وفي تلك الأرجاء ويكون من شعر المعزى أو من وبر الجمال أو من صوف الغنم.

أما إذا كانت الكوفية من القطن الأبيض فيسميها أهل نجد (غُترة) وزان غرفة، وكان يسميها أهل العراق قبل نحو مائة سنة (الضريبة) والاسم مأخوذ من (الضريب) وهو الثلج لبياضها الخالص، وتكون من حرير أبيض وربما سموها (ضريبًا) بلا هاء. وإذا كانت تلك الكوفية من الحرير المشطب أو المسيح أو المقلم فكانوا يسمونها (الساعورية)، ولعل سبب هذه التسمية أن أغلب هذه الشطب أو الخطوط الممتدة فيها، صفر بلون النار وهي الساعور.

هذا بعض ما وجدناه من أسماء الكوفية بحسب بعض البلدان، ولا جرم أن هناك غير هذه الألفاظ.

اختلاف أسماء العقال باختلاف البلدان العربية


قد بينّا في ما تقدم من كلامنا أن أول أسماء العقال: (الحبل) على ما ورد في سفر الملوك من أسفار التوراة، لأنهُ هو حقيقة حبلٌ لا غير، والذين نقلوا التوراة إلى لغات مختلفة لم يسموه إلا باسم يدل على الحبل، فهو باليونانية Kamilos وفي اللاتينية Funiculus وفي الأرمية (حَبْلا) وفي الحبشية (حبْل) إلى غيرها من اللغات.

ولهذا كان من أسمائه العربية في البلاد الضادية اللسان تدل كلها على مثل هذا المعنى. فمن أسمائه الأولى عند العرب (العصابة). قال في التاج: «(العصابة) بالكسر: ما عُصب به (كالعصاب) بالكسر أيضًا والعصب. قالهُ ابن منظور. وعصَّبهُ تعصيبًا: شدَّهُ، واسم ما شدَّ به العصابة» ا هـ . وهو الاسم الشائع اليوم في شرقي الأردن وأنحاء فلسطين.

ومن أسمائه في تلك الربوع (المرير). فراجعها في ما تقدم من كلامنا.

والمرير هذا يُسمَّى في عُمان [من ديار خليج فارس] خزامًا. وقد تقدم الكلام عليه أيضًا.

هذا ما استطعنا أن نجمعه من الإفادات لإثبات أن الكوفية والعقال من أقدم ملابس الرأس عند العرب ويصعب على منكرهما أن يهدم هذه الأدلة، اللهمَّ إلّا إذا كان سيء النية. لا يقنعه وجود الشمس في رائعة النهار.
بغداد"

هناك تعليقان (2):

  1. د. أحمد الغامدي - أكاديمي سعودي26 مارس, 2018

    أخي الكريم،
    رأيتك تصدر هذه المقالة الرائعة بقولك: "وقد نقلته هنا دون حذف أو إضافة في النص. والذي أضفته فقط هو الصور التي تحدّث عنها ولم تُدرج في المقال الأصل. وآمل أن يكون في هذا فائدة" وأريد أن أؤكد لك بأنك بإضافتك لهذه الصور قد خدمت مقالة المأسوف عليه خدمة عظيمة لا تقدر بثمن. فالله أسأل أن يوفقك وأن يكثر من أمثالك المتفانين في خدمة العلم ونشره.
    وتقبلوا فائق التحية والتقدير

    ردحذف
  2. مقال رائع، وأن كنت لا أعتد بأقاويل التوراة كسجلات تاريخية وأمكنني بسهولة تجاوز شاهدها في هذا النص الثري . أشكرك جزيل الشكر

    ردحذف